ابن كثير

258

البداية والنهاية

وأصحابه الذين خرجوا معه من الاحتياط على حواصلهم وأموالهم وأملاكهم وغير ذلك ، وقدم البريد من الديار المصرية يوم الأربعاء ثالث جمادى الآخرة فأخبر بقتل يلبغا فيما بين قاقون وغبرة ، وأخذت رؤوسهما إلى السلطان وكذلك قتل بغبرة الأمراء الثلاثة الذين خرجوا من مصر وحاكم الوزير ابن سرد ابن البغدادي ، والدوادار طغيتمر وبيدمر البدري ، أحد المقدمين ، كان قد نقم عليه السلطان ممالاة يلبغا ، فأخرجهم من مصر مسلوبين جميع أموالهم وسيرهم إلى الشام ، فلما كانوا بغزة لحقهم البريد بقتلهم حيث وجدهم وكذلك رسم بقتل يلبغا حيث التقاه من الطريق ، فلما انفصل البريد من غزة التقى يلبغا في طريق وادي فحمة فخنقه ثم احتز رأسه وذهب به إلى السلطان ، وقدم أميران من الديار المصرية بالحوطة على حواصل يلبغا وطواشي من بيت المملكة ، فتسلم مصاغا وجواهر نفيسة جدا ، ورسم ببيع أملاكه وما كان وقفه على الجامع الذي كان قد شرع بعمارته بسوق الخيل ، وكان قد اشتهر أنه وقف عليه القيسارية التي كان أنشأها ظاهر باب الفرج ، والحمامين المتجاورين ظاهر باب الجابية غربي خان السلطان العتيق ، وخصصا في قرايا أخرى كان قد استشهد على نفسه بذلك قبل ذلك فالله أعلم . ثم طلاب بقية أصحابه من حماه فحملوا إلى الديار المصرية وعدم خبرهم ، فلا يدرى على أي صفة هلكوا . وفي صبيحة يوم الثلاثاء الثامن عشر ( 1 ) من جمادى الآخرة من هذه السنة دخل الأمير سيف الدين أرغون شاه دمشق المحروسة نائبا عليها ، وكان قدومه من حلب ، انفصل عنها وتوجه إليها الأمير فخر الدين إياس الحاجب ، فدخلها أرغون شاه في أبهة وعليه خلعة وعمامة بطرفين ، وهو قريب الشكل من تنكز رحمه الله فنزل دار السعادة وحكم بها ، وفيه صرامة وشهامة . وفي يوم الخميس الثالث والعشرين منه صلي على الأمير قراسنقر بالجامع الأموي وظاهر باب النصر ، وحضر القضاة والأعيان والأمراء ، ودفن بتربته بميدان الحصا بالقرب من جامع الكريمي وعملت ليلة النصف على العادة من إشعال القناديل ولم يشعل الناس لما هم فيه من الغلاء وتأخر المطر وقلة الغلة ، كل رطل إلا وقية بدرهم ، وهو متغير ، وسائر الأشياء غالية ، والزيت كل رطل بأربعة ونصف ، ومثله الشيرج والصابون والأرز والعنبريس كل رطل بثلاثة ، وسائر الأطعمات على هذا النحو ، وليس شئ قريب الحال سوى اللحم بدرهمين وربع ، ونحو ذلك ، وغالب أهل حوران يردون من الأماكن البعيدة ويجلبون القمح للمؤنة والبدار من دمشق ، وبيع عندهم القمح المغربل كل مد بأربعة دراهم ، وهم في جهد شديد ، والله هو المأمول المسؤول وإذا سافر أحد يشق عليه تحصيل الماء لنفسه ولفرسه ودابته ، لأن المياه التي في الدرب كلها نفذت ، وأما القدس فأشد حالا وأبلغ في ذلك . ولما كان العشر الأخير من شعبان من هذه السنة من الله سبحانه وتعالى وله الحمد والمنة على

--> ( 1 ) في السلوك 2 / 737 : السابع عشر .